كيف تعامل الدين الاسلامي مع النوروز

نوروز و اسلام

يقول ابو ريحان البيروني في تعريف النوروز:
هو اول يوم من شهر فروردين وسمي لهذا السبب باليوم الجديد لانه في مطلع السنة الجديد والايام الخمسة التي تليه هي ايام الاحتفالات كلها.

المؤرخين والباحثين يختلفون فيما بينهم حول مكانة النوروز.

النوروز مصطلح يتألف من جزئين حيث يشكلان مع بعضهما البعض معنى “اليوم الجديد” وهو اليوم الاول من اول اشهر السنة الشمسية عندما تنتقل الشمس الى برج الحمل.

يبدو ان الأريين بعد هجرتهم نحو هضبة ايران واقامتهم على حدود حضارة ما بين النهرين كانوا يقسمون السنة الى قسمين اي اثناء الانقلاب الصيفي كانوا يحتفلون بالنوروز وخلال الانقلاب الشتوي كانوا يحيون عيد المهركان (اي المحبة).

البعض يعتقد ان عيدي النوروز والمهركان كانا عيدين موجودين في ايران قبل دخول الاريين والاقوام ما قبلهم الذين كانوا يسكنون في هضبة ايران قد احتفلوا بهما.

الايرانيون يكرمون “النوروز” وهي عادة قديمة بالرغم من انها قد تبدلت خلال الاف السنوات ولكنها لم تندثر وكانت محل تأييد من الاقوام والاديان المختلفة التي سيطرت على اراضي ايران، ولهذا السبب فإن النوروز في يومنا هذا هو من الرموز الكبرى والباعثة على الوحدة عند الشعب الايراني.

ان ظهور الاسلام والتعاطي السلمي له مع سائر الاديان والعادات لا سيما الاعتقادات الدينية للايرانيين ادى الى ان لا تندثر الطقوس والاداب المتعلقة به دفعة واحدة . دخول الاسلام قد قلل من انتشارها وتدريجياً دخلت المعتقدات الدينية للاسلام بين الفئات الشعبية.

على مر الايام عندما كانت بعض السنن والاداب تقع في تضاد واضح مع المعتقدات والعادات القديمة كان الايرانيون يسعون الى احياء سننهم القديمة في اطار شخصيات اسلامية وبعبارة اوضح قد مزجوا السنن الايرانية مع السنن الاسلامية. وبالتالي من بين الكثير من الاعياد الايرانية ما قبل الاسلام الذي بقي بين الايرانيين المسلمين عيد النوروز.

النوروز هو العيد الوحيد الذي استمر منذ العهد القديم بعظمة تامة ومترافقة مع الكثير من الاساطير والعادات الى يومنا هذا.

يمكن العثور على عظمة النوروز من رسوم تخت جمشيد وصولا الى الاعمال الادبية والفنية المتعددة العربية والفارسية في جميع الاماكن.

احد اقدم واكبر المصادر التي تناولت العيد والاساطير والعادات المتعلقة به هي كتاب “الاثار الباقية”لأبو ريحان البيروني (المتوفي في العام 440 ه.ق) حيث كتب فيه: كانت السنة عند الفرس اربعة فصول … استنادا الى هذه الفصول فقد كان لديهم اعيادا بحيث نتيجة الاختلاف في السنة الكبيسة كانت تتبدل هذه الاعياد وواحدة من جملة هذه الاعياد هي اليوم الاول من شهر فروردين اي عيد النوروز الذي هو يوم كبير جدا وسمي بذلك بسبب احياء الطبيعة من جديد. وكانت ولادة العالم في ذلك اليوم.

ان احترام النوروز في الاسلام بالرغم من كونه غير منحصرا بالمذهب الشيعي الا انه شامل عند الشيعة حتى انه تم نقل روايات عن الائمة الشيعة فيما يتعلق بتكريم هذا اليوم كمثال ينقل العلامة المجلسي في “السماء والعالم” عن الامام الصادق (ع) حديثاً بهذا المضمون: في بداية فروردين خلق أدم (ع) وهو يوم مبارك لطلب الحاجات وتحقق المنايا وكسب العلم والزواج والسفر والمعاملات.

في ذلك اليوم المبارك يشفى المرضى وتولد المواليد بسهولة وتكثر فيه الارزاق. وينقل العلامة المجلسي حديثا اخرا ايضا حول النوروز منسوبا الى الامام الكاظم (ع) وهو ان هذا اليوم هو يوم قديم جدا.

اضافة الى عدم معارضة الاسلام مع عادات النوروز وابعد من ذلك موافقة هذا المذهب على النوروز واستمرار تكريم النوروز في العهد الاسلامي ايضا يمكننا ان ننسبه الى العلاقة الشديدة للايرانيين من اجل حفظ تراثهم.

“برتولد اشبولر” خبير الماني في الشؤون الايرانية يقول حول هذا الموضوع: من الاعياد الايرانية القديمة هو عيد السنة الجديدة وايضا في نهاية الصيف عيد الخريف “مهركان” ومن الطبيعي انها كانت تقام استنادا الى التقويم القديم . بالطبع ان المسلمين وخاصة في عهد عمر الثاني (عمر بن عبد العزيز ) قد سعوا الى الغاء هذه الاعياد والذين كانوا يرسلون في هذه الاوقات بشكل عام هدايا متداولة الى السلطات العليا كانوا يتعرضون للضغوط.

ولكن هذا التقليد كان مرتبطا بشكل وثيق مع الفكر واحاسيس الشعب الايراني بحيث انه فتح مجالا له بشكل منتصر ومع سيطرة العباسيين وخاصة في عهد ال بويه اصبح متداولا في جميع الاماكن بشكل كامل وحتى فيما بين النهرين (بالتحديد في بغداد وحتى في البصرة) اصبح عيدا رسميا وشاملا. في سوريا، مصر وشمال افريقيا كان يقام ايضا هذا العيد في بعض الازمنة بشكل غير منتظم.

بهذا الشكل فإن النوروز مع دخول الاسلام الى ايران وشمولية هذا المذهب على ارض واسعة من شبه القارة الهندية وحتى شمال افريقيا اصبح لديه مجالا لكي يكون متداولا بين الاقوام غير الايراني.

النوروز منذ زمن نبي الاسلام وحتى عهد السلسلة الايرانية المتأخرة كان دائما محل اهتمام والتاريخ يشهد على ان النبي محمد (ص) و الامام علي (ع) والكبار والخلفاء الراشدين في الاسلام كانوا يحيون عيد النوروز وكان للنوروز عظمة خاصة ومع الاسلام ايضا كان قد اصبح للنوروز مع السنن الاسلامية عظمة وجلال اخرين.

اقامة عيد النوروز في العهد الصفوي وخاصة من خلال النظرة الى الاحاديث التي نقلها المحدثين الكبار مثل العلامة المجلسي حول النوروز هي محل تقييم ويبدو بأنه في هذا العهد (مثل الزمن الحاضر) قد اصبح للنوروز صبغة اسلامية بالكامل وكان يبدو امرا صعبا التفكيك بين العناصر التاريخية والاسلامية في هذه المراسم العظيمة.

في كتب الادعية المشهورة مثل اقبال الاعمال للسيد ابن طاووس ومصباح المتهجد للشيخ الطوسي لم تتم الاشارة الى دعاء تحويل السنة وهذا يدل على انه لا يوجد سند روائي يمكن اعتماده بالنسبة له سواء في مصادر اهل السنة او في مصادر اهل الشيعة، ولكن المجلسي في كتاب زاد المعاد يذكر بالنسبة الى هذا الدعاء على انه روي في الكتب غير المشهورة بأنه اقرأوا كثيرا هذا الدعاء : “يا مقلب‌القلوب والابصار يا مدبر الليل والنهار يا محول الحول و الاحوال حول حالنا الي احسن الحال”.

على كل حال وبغض النظر عن كيفية دعاء تحويل السنة الى ما قبل العهد الصفوي وان هذا الدعاء في اي من المصادر الحديثة قد ذكر فإن الدعاء نفسه او قراءة القرأن او حتى الصلاة اثناء تحويل السنة يدل على كون النوروز اصبح اسلاميا وحتى ان البعض يعتقد بأن عبارات دعاء تحويل السنة مأخوذة من العبارات القرآنية او الاحاديث والروايات التي نقلها الشيخ الطوسي في “التهذيب”.

أجب

Please enter your comment!
Please enter your name here

*