الإنجاز الدبلوماسي الكبير… إيران

-الحديث عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية غربياً ليس حديثاً مألوفاً بالنسبة لمن خاضوا معارك الدبلوماسية والمفاوضات، فإيران كانت بالنسبة لكثيرين دولة خارجة عن القانون، بعيدة عن الديمقراطية ويغيب عنها بذهن الغرب كل ما يؤشر إلي أنها دولة حديثة في هذا القرن الذي اجتاحته العولمة وتداخلت معه السطور والفنون والثقافات.

الثورة الإسلامية في إيران كانت المحطة التي ادخلت إيران فجراً جديداً تغيّر معها كل شيء، البعض اعتبرها محطة «انعزال» والبعض الآخر رآها ولادة إيران المتحررة من كل القيود الأميركية – الغربية «إيران الحرة».

صحيح، أن النظام الإسلامي طبق كدستور اساسي للبلاد إلا ان تعميمه بقي احد اوجه «العدالة» التي لا تفرّق بين القوميات والاديان الموجودة علي مساحتها الكبري، فلا تُهدر الحقوق او تُستباح بل تصان وتحفظ ضمن القانون. فإيران بالنسبة لكثر جسّدت روح «المدنية» التي تنادي بالتعايش بين الطوائف والمذاهب كافة والتي تحفظ حق المرأة في العمل السياسي الحر والانتساب الي أحزاب وقيادة المهمات علي أنواعها كافة والترشح لمناصب الدول الكبري حتي ولو انها اتت ضمن النظام الإسلامي المعمول به، والذي لم تستطع دول أخري تطبيقه السعودية – بالشكل الحر الذي استفادت منه إيران لأسباب سياسية رفعت من أسهم «الديمقراطية» في إيران علي حساب إيران «الجمهورية الإسلامية». وهو الأمر الذي لم تستطع الدول العربية والإسلامية مجاراتها فيه فكانت النموذج الإسلامي «المتمدن» الوحيد في المنطقة والعالم، لو «جاز» التعبير.

كشفت إيران عن قدرة استثنائية في إدارة العملية السياسية في المنطقة وحجزت مكانة هامة لدي جيرانها العرب قبل أن تندلع الازمة السورية ومعها ازمات المنطقة التي قدّر لبعضها أن يتخذ طابعاً طائفياً مبطناً، فبات الحديث عن خلاف مفصلي «إيراني سعودي» كخلاف يتحكم بمندرجات العلاقة السياسية بين دولها.

تعقيدات كبيرة وعقوبات أميركية وأوروبية ثقيلة عاشتها إيران تفادياً لحرمانها من برنامجها النووي الذي اعتبرته حقاً لا يمكن التفريط فيه فبقي الصمود سيد الموقف وبقيت العقوبات في مرحلة اشتداد طبيعي نظراً لمواقف إيران الداعمة لقوي المقاومة في المنطقة ولنفوذها الممتد إليها والذي بات يلامس أمن المدي الحيوي الأميركي «الإسرائيلي» بين العراق وجنوب لبنان.

تدرك إيران أن العقوبات المفروضة علي برنامجها النووي كل تلك السنين وعلي شعبها وإنتاجها أيضاً ليست إلا حصيلة مواقف سياسية بحتة وتدرك أيضاً أن نجاحها بتكبير «نفوذها» بالشرق الأوسط سيجعل من التواصل معها حاجة غربية حتمية.

إيران التي تتوسّع دائرة حضورها في ملفات خمسة لبنان، سوريا، اليمن، العراق، البحرين، تعرف أن الأميركي غير قادر علي إنجاز أي نوع من الحراك السياسي في تلك المنطقة من دون الحوار مع إيران ومعرفة توجهاتها في تلك المساحات الاستراتيجية. وعلي هذا الأساس كان الخضوع الأميركي الغربي لفكرة قبول الحوار مع إيران في ملفها النووي إحدي أهم «الذرائع» لفتح باب المفاوضات علي ملفات سياسية أهم بكثير بالنسبة للأميركيين منه الي ملف نووي يعرفون جيداً أن إيران لا تستخدمه لدواعٍ عسكرية بل لدواعٍ علمية وسلمية بحتة، كما أعلن مرشدها السيد علي خامنئي أكثر من مرة.

التواصل مع إيران بات ضرورة سياسية كان الملف النووي مدخلها بعد تعاظم نفوذها في المنطقة حتي نجحت في العام 2015، بعد مفاوضات شاقة دامت 18 شهراً بينها وبين مجموعة 5 + 1 التي تضمّ الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، فتوصلت طهران والقوي العالمية إلي «اتفاق إطار» بشأن برنامج إيران النووي، وذلك في 2 نيسان 2015 بمدينة لوزان السويسرية.

المفاوضات الشاقة خاضها فريق محترف استطاع وضع إيران علي لائحة الدول الدبلوماسية الفعالة والمحترفة ومهّد لدخولها مفاوضات المنطقة الكبري. وهو فريق شكله الرئيس حسن روحاني الذي قدم للإيرانيين نموذجاً فذاً من المعتدلين الذين نجحوا في استدراج الأميركي نحو الليونة والسلاسة وادارة السياسة من دون التنازل عن الثوابت.

كان للوزير محمد جواد ظريف سيد الدبلوماسية الإيرانية حصة الأسد في الأضواء التي سلطت علي الدبلوماسية الإيرانية التي غيّرت الأفكار السائدة غربياً منها، وكان ظريف استثناء في المفاوضات بين دبلوماسيين إيرانيين كثر مروا علي الخارجية ولا تزال ثنائية وزير الخارجية الأميركية وظريف «كيري – ظريف» عالقة في أذهان الأميركيين والإيرانيين معاً.

يستحق فريق الرئيس روحاني التهنئة من شعبه ويستحق معهما تطلّع إيران الي المزيد مما يحرص علي الاتفاقية الممهدة لإيران المنتعشة اقتصادياً. الإنجاز الدبلوماسي الكبير يستحق العناية والحرص والالتفات الي ضرورة استكماله بالروحية التي أرخاها ظريف والمقبولية التي أفردها لدي المجتمع الدولي. ظريف صديق الجميع، المثقف والمبدئي والحريص علي بلاده. ابتسامة ظريف واشارة النصر عبر تلك النافذة التي أطلّ منها في سويسرا لا تزال تعيش في أذهان الإيرانيين والعالم 4 سنوات جديدة ستكون هدية للحفاظ علي النصر الكبير، خصوصاً ان واشنطن ارسلت «رسالتها» عشية الانتخابات الإيرانية بعدم نيّتها التصعيد مع طهران بإعلانها تمديد العمل بتخفيف العقوبات علي إيران، حسب ما هو وارد في الاتفاق النووي مع القوي الكبري عام 2015، رغم انتقادات الرئيس دونالد ترامب للاتفاق الذي تمّ التوصل اليه خلال عهد سلفه باراك أوباما.

فهل يتلقي الإيرانيون الرسالة؟

كل التقدير لروحاني وفريقه أبقيَ رئيساً أو غادر..

أجب

Please enter your comment!
Please enter your name here

*