“ارنا”.. رسائل ايرانية عابرة للحدود

رسائل ايرانية عابرة للحدود

فيما يكثّف الجيش السوري وحلفاؤه عملياتهم عبر مختلف المحاور تمهيداً لطرق أبواب دير الزور، أخذت أجواء التصعيد منحي متزايداً مع قيام «التحالف الدولي» بإسقاط طائرة سورية أمس، فيما جاءت الأنباء عن دخول صواريخ إيرانية علي خط «الحرب ضد داعش» لتكمل رسم المشهد.

يواصل الجيش السوري وحلفاؤه تعبيد الطرقات نحو دير الزور علي مختلف المحاور. بوصلة العمليات العسكرية في ريف الرقة الجنوبي الغربي ما زالت تشير إلي الرصافة التي يُرجّح أن تبدأ معارك اقتحامها بين ساعة وأخري، فيما تتواصل العمليات التمهيدية نحو السخنة (ريف حمص الشرقي، وبوابة الحدود الإدارية بين حمص ودير الزور)، وبالتزامن يعمل الجيش وحلفاؤه علي قضم مزيد من المساحات في أقصي ريف حمص الجنوبي الشرقي الذي يُعتبر بدوره بوابة نحو الريف الجنوبي لدير الزور. ولا يمكن فصل العمليات العسكرية للقوات العراقية عن نظيرتها في الجانب السوري.

ولا تقتصر أهمية تقدم القوات العراقية نحو الشمال الشرقي لمعبر الوليد علي الناحية الرمزية، أو علي أهمية التقاء الطرفين في استكمال للالتفاف حول «الخطوط الحمراء» الأميركية متمثلة بنقطة التنف، بل تتجاوزها نحو تقريب المسافة من البوكمال (ريف دير الزور الجنوبي الشرقي). ومن المرجّح أن الأخيرة في طريقها لتكون أول معقل بارز من معاقل تنظيم «داعش» مستهدف بعملية عسكرية مشتركة للقوات السورية والعراقية. وعلي الرغم من أن المدينة ما زالت في حسابات الجغرافيا بعيدة نسبياً عن مسار تقدم القوات، غير أن التطورات الأخيرة علي الحدود تتيح للقوات السورية والعراقية الشروع في مزامنة التقدم البري علي طرفي الحدود صعوداً نحو الشمال ليكون معبر القائم الحدودي هدفاً للقوات العراقيّة، في مقابل مدينة البوكمال التي تشكل هدفاً استراتيجيّاً للقوات السوريّة.

وتواصل الأخيرة توسيع الطوق الفاصل بين المجموعات المسلّحة المدعومة أميركيّاً والمتمركزة في التنف، وبين الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور عبر توسيع مناطق سيطرتها نحو الشمال انطلاقاً من نقاط التثبيت الساعية إلي تكريس معادلة ميدانيّة جديدة بعد السيطرة علي منطقة «أم الصلابة». وتبدو منطقة حميمة (ريف حمص الشرقي) هدفاً أساسياً علي خارطة عمليات الجيش السوري وحلفائه. وسيكون مرجّحاً إذا ما واصلت هذه العمليات الاشتغال وفق تكتيك «تشتيت الجبهات»، أن يسعي الجيش وحلفاؤه إلي مزامنة محاولات التقدم نحو حميمة مع مخطط الاقتحام البري للسخنة. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلي أن الكلام علي «نجاح الجيش السوري في قطع خطوط إمداد «داعش» من القائم نحو السخنة» يحمل نوعاً من المبالغة، والأصح أنّ العمليات قد وضعت هذا الهدف علي سلّم الأولويات، غير أن تحقيقه ما زال في حاجة إلي مزيد من الوقت والمعارك. وباتت السخنة قاب قوسين من القوات السورية المتقدمة نحو الغرب في عمليات محيط تدمر. وكانت سيطرة الجيش أمس علي محمية التليلة (شرق تدمر) قد جعلت من المحطة الثالثة في حكم الساقطة ناريّاً. وتشكل المحطة الثالثة نقطة انطلاق مستقبليّة نحو السخنة. وتؤدي عمليات الجيش في ريف الرقة الجنوبي الغربي وظيفة مكملة لنظيرتها في ريف حمص الشرقي، إذ تتيح السيطرة علي الرصافة حال حدوثها تكثيف الضغط علي تجمعات «داعش» الأساسية، وحرمانه إمكانية تبادل الإمداد نظراً لانشغال مسلحيه المتمركزين في كل نقطة بمحاولات الدفاع عنها. في الوقت نفسه، سيكون من شأن السيطرة علي الرصافة أن تمنح الجيش وحلفاءه فرصة توسيع نطاق السيطرة في الريف الجنوبي الغربي للرقة، والتوجه جنوباً نحو الحدود الإدارية الفاصلة بين الرقة وحمص، علاوة علي إمكانية الشروع في رسم شعاع سيطرة باتجاه الجنوب الشرقي نحو جبل بشري تمهيداً لعزله عن أي تأثير محتمل علي القوات المتقدمة برياً في اتجاه دير الزور (حالَ البدء بهذا التقدم). وإذا ما واصلت العمليات سيرها بالإيقاع ذاته، فمن المحتمل أن تكون خواتيم شهر حزيران الجاري بمثابة علامة زمنيّة فارقة في مسار الحرب السوريّة. ورغم رجحان كفة الجيش السوري حتي الآن في عمليات البادية في العموم، غير أنّ كل تقدم جديد للجيش السوري من شأنه أن يشدّ الأنظار أكثر فأكثر نحو ردود الفعل الأميركية المحتملة. ودأبت واشنطن حتي وقت قريب علي تأكيد أنها لا تنوي مهاجمة القوات السوريّة إلا في «حالات دفاعية»، وهو الإطار الذي كانت قد وضعت فيه استهدافاتها السابقة للقوات السورية في محيط التنف. غير أن قيام «قوات التحالف الدولي» بإسقاط طائرة سورية أمس في منطقة الرصافة، يوحي باحتمالات جنوح أميركي نحو «تغيير قواعد الاشتباك». وتأتي خطوة إسقاط الطائرة في سياق سلسلة خطوات تصعيدية أميركية تلت تنفيذ القوات السورية عملية الالتفاف نحو أم الصلابة، علي رأسها نشر منظومة «هيمارس» الصاروخية في التنف. ويضاف إلي ذلك الحديث المتزايد عن نيّات لنقل مجموعات مسلحة سورية جديدة نحو التنف، وهي خطوة من شأنها أن تكون مقدمات لسلوك ميداني أميركي جديد. وما زال الانخراط البري المباشر لقوات أميركية في مواجهة القوات السورية وحلفائها خياراً مستبعداً حتي الآن، غير أن تزايد الحديث عن هذا الخيار في وسائل الإعلام الغربية يجعل أخذه في الاعتبار أمراً وارداً.

وغير بعيد عن الأجواء التصعيدية والرسائل الصاروخية، تأتي الأنباء عن قيام القوات الإيرانية بتنفيذ ضربتين صاروخيتين ضد معاقل تنظيم «داعش» في دير الزور، في إجراء يمثل سابقةً، كما يبعث رسائل تصعيدية إلي واشنطن في إطار احتدام الكباش الأميركي الإيراني في الساحة السورية. وأكد بيان لقوات حرس الثورة الإيراني أنه تم استهداف «مقر قيادة ومركز تجمع وإسناد للإرهابيين التكفيريين في منطقة دير الزور، بهدف معاقبتهم… إثر الجريمة التي قاموا بها في 7 حزيران في طهران»، مبيّناً أنه «تم إطلاق صواريخ أرض ــ أرض من القواعد الصاروخية (للحرس) في محافظات كرمانشاه وكردستان (غرب إيران)».

وكان مرشد الجمهورية الإيرانية السيد علي الخامنئي، قد وصف أمس أكاذيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد ايران بأنها «تهديدات فارغة»، مؤكداً أن بلاده «لا تعبأ» بهذه الافتراءات. وأوضح، خلال استقباله لعدد من أسر شهداء حرس الحدود، أن «الأميركيين حاولوا مراراً تغيير نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أنهم فشلوا»، مضيفاً أن «الأميركيين لم يدركوا إلي حدّ الآن حقيقة الشعب الايراني». ووصف مسؤولي الإدارة الأميركية بأنهم «مبتدئون وعديمو الخبرة ولا يعرفون ماذا يفعلون».

في السياق نفسه، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، العميد مسعود جزائري، أنه «في حال لم تغيّر أميركا نهجها، فسنرغمها علي ذلك»، فيما كتب مساعد وزير الخارجية الإيراني السابق للشؤون العربية والأفريقية، حسين أمير عبداللهيان، عقب الضربات، علي حسابه علي «تويتر»، أن «هذا كان مجرد تحذير ناعم».

أجب

Please enter your comment!
Please enter your name here

*