كاتب عماني : إیران الثورة هبة من السماء

بقلم / علی بن مسعود المعشنی
تحت عنوان ‘ایران الثورة هبة من السماء’ كتب المحلل والكاتب العمانی ‘علی بن مسعود المعشنی’ مقالا حول ایران الاسلام والتطورات التی شهدتها منذ انتصار الثورة الاسلامیة حتى الان. وجاء فی الجزء الاول للمقال الذی نشر فی جریدة ‘الرؤیة’ العمانیة: انفضت المظاهرات الأخیرة فی إیران فی زمن قیاسی وفرزت العدید من الحقائق للذین یعرفون إیران من الداخل وللذین لا یعرفون إیران من الداخل أو الخارج ویتحدثون بأمنیاتهم لا بعقولهم ومنطق الواقع.

فرزت المظاهرات ما بین وطنیین إیرانیین شرفاء ومخلصین لهم مطالب معیشیة مشروعة ومعروفة ، وبین مواطنین رهنوا أنفسهم لأجندات خارجیة مشبوهة لم تهدأ یومًا فی سعیها لتمزیق إیران الكیان والثورة؛ سعیًا منهم للتفرد بالمنطقة وتمریر مشروعهم التطبیعی البائس وبسطه بالقوة والإكراه منذ كامب دیفید عام 1979م لتمكین الكیان الصهیونی فی المنطقة لیصبح السیّد القوی والأوحد والآمر الناهی والرادع المرعب والحارس الوفی والأمین للغرب الاستعماری فی قلب الأمة العربیة والمعیق الأول والأخیر لأی قوة عربیة فردیة أو إقلیمیة ولأی مشروع نهضوی عربی أو تكتل وحدوی أو حتى تضامن عربی.

لم یكن أكثر المتفائلین أو المتشائمین على وجه الأرض یحلم – مجرد حلم – بقیام حدث زلزالی إقلیمی ودولی بحجم الثورة الإسلامیة فی إیران وأن تجعل الثورة عمقها العربی وبوصلة فلسطین وقضیتها الركن الأول فی مبادئها ومیثاقها وبالتالی تعید الحسابات وخلط الأوراق فی المنطقة إلي المربع الأول مجددًا.

ففی الأول من فبرایر عام 1979م وصل الإمام الخمینی الى طهران مكللًا نصر ثورته ورفاقه بعد عقود من النضال وجملة هائلة من التضحیات، ورحل شاه إیران ومعه أكثر من (29) ألف خبیر ومستشار عسكری وأمنی وسیاسی أمریكی هم فی حقیقتهم من یحكم إیران ویقرر مصیرها وهویتها وعقیدتها السیاسیة والعسكریة فی المنطقة.

الله وحده من یعلم سر هذا الحدث التاریخی فی إیران وسر تزامنه مع لحظة خروج مصر من معادلات الصراع والقوة فی المنطقة بفعل كامب دیفید ، ولحظة اغتیال الزعیم الباكستانی ذوالفقار علی بوتو (أب مشروع القنبلة النوویة الإسلامیة) ولحظة اغتیال الزعیم العربی هواری أبومدین شریك ذو الفقار ولحظة وصول كل من صدام حسین للسلطة فی العراق ومارجریت تاتشر للسلطة فی بریطانیا، وفی لحظة إعلان بریطانیا عن إلغاء حلف بغداد رسمیًا والذی شكلته عام 1955م كنواة حاضنة ومأمولة لما یعرف الیوم بمشروع الشرق الأوسط الجدید، جمیع تلك ‘اللحظات’ كانت فی عام 1979م وهو العام ‘الفیصل’ فی تاریخ الأمة الحدیث وبامتیاز.

ما من شك أنّ الثورة الإیرانیة تمیزت بجملة من العبقریات والتی تعبر عن دهاء وعبقریة من خطط لها ونفذها وقادها وصانها، تلك العبقریات التی لم تُشكل هویة الثورة الجامعة فحسب بل شكلت المناعة والحصانة لها لاحقًا لتقف بصلابة أمام جمیع المؤامرات والتحدیات الداخلیة والإقلیمیة والدولیة لتبنی دولة فاعلة وحیویة فی المنطقة خضعت لها أعتى الرؤوس وأكبرها وتحطمت على صخرتها أكبر المؤامرات، ومن المفید هنا أن نعترف لهذه الثورة العظیمة بأنّ من أدرك عبقریّاتها وفاعلیتها هم الخصوم والأعداء والمتآمرون علیها ولیسوا أغرار السیاسة وأمیی التاریخ والجغرافیا وإرادات الشعوب.

أولي هذه العبقریات أنّ الثورة قرأت واستعرضت وحللت كل المشهد السیاسی فی تاریخ إیران السیاسی المعاصر من حراكات وحركات سیاسیة ودعوات إصلاحیة قامت باسم الإصلاح والتغییر الإیجابی واسترداد الهویة الوطنیة وضد العمالة والتغریب ومع كرامة الدولة وثوابت الشعب الإیرانی، فوجدتها نخبویة أو فردیة أو نابعة من أیدیولوجیات ضیقة ومحدودة الأثر والفاعلیة، فلجأت الثورة واختارت الإسلام كهویة لها وكهویة جامعة لغالبیة الأطیاف المكونة للشعب الإیرانی وفسیفسائه العرقیة والطائفیة والدینیة والمذهبیة ونجحت فی ذلك بامتیاز، فمن لیس مسلمًا بدیانته فهو مسلم بثقافته ومواطنته؛ وهذا نهج الثورات الحقیقیة.

وثانی العبقریات للثورة أنها تیقنت بأن الإطاحة بالعملاء فی الداخل لا یكفی بل یجب مواجهة وإسقاط من یقف خلفهم ویدعمهم ومن صنعهم من الخارج وعلى رأسهم أمریكا.

وثالث عبقریات الثورة في ايران أنها عرفت من هم ضدها ومن هم لیسوا معها ومیزت وفرزت بینهم فی مبدأی الثواب والعقاب. وهذه رسالة لثورات الناتو.

ورابع عبقریات الثورة أنّها أدركت أنّ من یحارب الجغرافیا ویقاتل الأرض ویتنكر للتاریخ محكوم علیه بالتبعیة والانكفاء والفشل، فمدت یدها وعقلها نحو العمق العربی وقضایاه المصیریة وعلى رأسها قضیة فلسطین، وتفاعلت عضویًا مع محیطها الجغرافی والتاریخی والحضاری وجعلت ذلك من ثوابت سیاستها الخارجیة ومن صمیم أمنها القومی. وهذه من أبجدیات السیاسة والاستراتیجیات.

وخامس عبقریات الثورة أنّها فصلت بین الثورة والدولة فجعلت للدولة دستورا وقوانین والثورة میثاق وطنی یؤطر حراك الدولة ویغذی تشریعاتها دون الحاجة الى تدخل الثورة فی ماهیة الدولة ومتطلباتها العصریة ودون الانتقاص أو المساس بشرعیة الثورة ومیثاقها وثقافتها وأهدافها، لهذا من واكب حراك الدولة وأطوارها فی إیران الثورة منذ عام 1979م ولغایة الیوم فسیلمس الكثیر من التحولات فی شكل الدولة فی إطار هویة الثورة ونهجها. وهذه من الواقعیة والمرونة السیاسیة.

سادس عبقریات الثورة أنّها حصنت نفسها من السقوط والاختراق والوهن والتآكل عبر منظومة مؤسسات حرجة عقائدیة ودستوریة شكلت الحلقة المركزیة للنظام كالمرشد الاعلى ومجلس صیانة الدستور ومجلس الخبراء ومجلس تشخیص مصلحة النظام والبرلمان وهیئة الرئاسة مع وجود تراتبیة دستوریة ومرونة قانونیة عالیة فی تحدید مسؤولیات ونسبیة صلاحیات تلك المؤسسات وتراتبیة ومرجعیة الفصل والاحتكام بینها.

ولنا بقیّة فی الحلقة الثانیة من هذا المقال…

أجب

Please enter your comment!
Please enter your name here

*