في ايران، يعيشون “السلام” !

محمود عسكرية – مدير عام مركز IFP   الخبري : لم يعد مكانٌ للأقلية والاكثرية، والحجة لأبراز مشاعر الفرح باتت متوفرة، والجميع بغض النظر عن الانتمائات الدينية يشارك في طقوس وتقاليد، ويساهم في تحريك السوق عبر شراء السلع الخاصة بأعياد رأس السنة الميلادية وغيرها. الايرانيون وحسب اتفاق ضمني وغير مكتوب يريدون تجسيد الاختلاف الشاسع بين اسلامهم […]

محمود عسكرية – مدير عام مركز IFP   الخبري :
لم يعد مكانٌ للأقلية والاكثرية، والحجة لأبراز مشاعر الفرح باتت متوفرة، والجميع بغض النظر عن الانتمائات الدينية يشارك في طقوس وتقاليد، ويساهم في تحريك السوق عبر شراء السلع الخاصة بأعياد رأس السنة الميلادية وغيرها.

الايرانيون وحسب اتفاق ضمني وغير مكتوب يريدون تجسيد الاختلاف الشاسع بين اسلامهم واسلام من يدعون تمسكهم بالاسلام بينما لايعرفون عنه الا اسمه، فيأسرون الراهبات في سوريا ويهدمون الكنائس في العراق ومصر وباقي البقاع. اختلاف الاسلامين كبير، تماما، كاختلاف “الحب” و “الكراهية”.

ان خلفية التعايش السلمي بين القوميات والمذاهب المختلفة (الاديان الابراهيمية) في ايران تضرب في جذور التاريخ. فأحدى اقدم الكنائس في العالم مازالت شامخة في ايران ومصونة من الأحداث وهجوم الاجانب رغم توالي العصور. وفي نفس السياق مشاركة الاقليات الدينية في الدفاع عن الارض والوجود الثقافي لايران الاسلامية، من ضمنها مشاركتها في الدفاع عن ايران بصد الجيش الصدامي لمدة 8 سنوات، امر نموذجي ومشرف.

ذاكرة الشعب الايراني سوف لن تنسى حضور قائد الثورة الاسلامية آية الله خامنئي في بيت احدى الاسر الارمنية خلال اعياد رأس السنة “العام الماضي”، حيث استشهد احد ابنائها في الحرب اوائل الثورة، وتبادله الدردشة مع والدة الشهيد واخوته، ومديحه لطعم الكعكة المقدمة له في تلك الضيافة.

ربما لايصدق من لايعرف ايران وجمالها النابع عن التنوع الثقافي، ان المسيحيين، من الاقليات الدينية التي تشارك في احياء ذكرى ملحمة عاشوراء (طقوس خاصة بالشيعة) سنويا.

مواكبة المسيحيين في احتفالاتهم بذكرى مولد المسيح عليه السلام تعد فرصة للتعريف بالاسلام الرحماني. ففي كل عام وعلى مشارف الخامس والعشرين من ديسمبر، وحينما تذهب الى مراكز التسوق والشوارع التجارية تلاحظ حركة دؤوبة في كل الاصناف، من المكتبات الى محلات الملابس والادوات المنزلية والسلع التزئينية والديكورات وبيع رموز الاحتفال برأس السنة، وبامكانك استشمام رائحة كرسمس من هذه المرافق، فكلها تجسد العيد والفرح.

خلال السنوات الاخيرة وبموازاة نمو الاسلام التكفيري وشيوع الوهابية، هذه العقيدة المتخلفة (السلفية) التي تجسدت في سلوك داعش وباقي الجماعات الارهابية المدعومة من السعودية وحلفائها، فان التنسيق والتعاون بين الايرانيين والاقليات الدينية لاجراء افضل المراسم، قد تعزز اكثر من ذي قبل.

هذه السنة، بامكانك ان تشاهد الـ”بابانوئل” بملابسه الحمراء ولحيته الكثيفة وشعره الابيض وبيده الشكولاتة والحلوى في المناطق المكتظة بالسكان في المدن الكبرى كطهران العاصمة، كما تشعر في باقي المناطق والمدن بأجواء عيد ميلاد المسيح عليه السلام اكثر من الاعوام الماضية.

ففي العاصمة الايرانية وحينما تتجول في شارع ميرزاي شيرازي (احد الشوارع الرئيسة) تشعر وكأنك في العاصمة الارمينية “يريفان”. هل معنى هذه الحركة الاجتماعية الذاتية ان الايرانيين يتحلون بالذكاء والفراسة ويريدون ان يترجموا مقولة شاعرهم الشهير سعدي الشيرازي حيث قال قبل 700 عام “أن كل أبناء البشر من بني آدم، وآدم من تراب، فلا تفاضل ولا تفاخر فی الأنساب والأعراق ؟”. هل ان مشاركتهم الواضحة والواسعة في مراسيم خاصة بالاقلية المسيحية، والارمن القانطين في بلادهم، تجسد الفرق بين الاسلام الرحماني والعقلاني من جهة، والاسلام الوهابي والمبني على السلفية والتكفير من جهة اخرى ؟

مهما كان الجواب، فان التمايز بين “الاسلام في ايران” و “الاسلام في السعودية” اصبح واضحا للعيان ولم يعد قابلا للأنكار.

من خلال التجوال في طهران يتضح لك الوفاق الباهر بين الاكثرية المسلمة والاقلية المسيحية البسيطة، في اداء طقوس السنة الميلادية الجديدة.

يمكن القول ان الايرانيين اغتنموا فرصة “كرسمس” ليثبتوا للمجتمع الدولي وخاصة العالم المسيحي والشعوب الغربية بانهم يعيشون “السلام” وان حسابهم يختلف مع مجموعتين.

الاولى، تلك التي تعتنق المسيحية وتقذف بقنابلها على رؤوس الفقراء والضعفاء، وفي الوقت الذي تميز بين ابناء البشر، ترفع شعار التعايش السلمي، وبذريعة خلع السلاح تقوم بعمليات ابادة جماعية وتتجاهل حقوق الانسان، وتبعث بجيوشها الى اقصى نقاط العالم. اما المجموعة الثانية، فهي عبارة عن مجموعة تقطع الرؤوس وتزرع بذور الفرقة والكراهية باسم الاسلام وعبر التكبير. هذه الجماعة رغم انها لاتبعد الا خطوة من بيت الله الحرام، لكنها دارت ظهرها للكعبة وضلت بوصلتها.

في الوقت الذي بات صوت العنف الديني والاسلام السلفي والتكفيري عاليا، وصدى التفجيرات والعمليات الانتحارية مدويا، وقتل الناس الابرياء في الازقة والشوارع والمدارس وحتى المراكز الدينية في كافة ارجاء العالم وخاصة الشرق الاوسط واقعا، -وعلى قدم وساق- فأن اظهار البعد الرحماني من تعاليم الاسلام الأصيل والتاكيد العملي على الصداقة والعطوفة والتحلي بسلوك النبي الاكرم (ص)، اخذ يتوسع بين المسلمين الحقيقيين في شتى انحاء العالم وخاصة ايران.

أجب

Please enter your comment!
Please enter your name here

*