في ضواحي مدينة كرمانشاه مركز محافظة كرمانشاه، يقع معلم «طاق بستان» الأثرى على سفح جبل بهذا الاسم وعلى مقربة من نهر ماء يجري في شمال شرقه. لطاق بستان، ايوانان صغير وكبير. الايوان الصغير يتراءى في الجانب الأيسر من نقش «اردشير الثاني» الحجري، فيما الايوان الكبير يقع في الجهة اليسرى من الايوان الصغير.

طاق بستان عبارة عن مجموعة نقوش ولوحات حجرية بارزة تعود الى العصر الساساني، (أي في القرن الثالث للميلاد) وتتمتع بقيمة فنية تاريخية عالية.

نحتت على طاق بستان، نقوش بارزة ولوحات حجرية بالخط الفهلوي تعود الى تتويج كل من خسرو برويز واردشير الثاني وشاهبور الثاني وشاهبور الثالث.

الى ذلك، أدى وجود الجبل ونهر الماء في هذه المنطقة، إلى تحول موقع طاق بستان الى متنزه خلاب يسحر القلوب منذ أمد بعيد الى يومنا هذا.

لقد اختار الملوك الساسانيون في بادئ الأمر، مناطق قريبة من تخت جمشيد في محافظة فارس جنوب ايران، لنحت تماثيل عنهم، غير أن الملك اردشير الثاني والملوك الذين جاؤوا من بعده، اختاروا موقع طاق بستان الذي كان على طريق الحرير ويتمتع بطبيعة خضراء ونضرة ووفرة الماء.

في مجموعة طاق بستان، يوجد نقش حجري لمنطقة صيد ملكية يعدّ أول لوحة حجرية في العالم تمّت فيها مراعاة المبادئ والأصول الخاصة بفن الرسم، اذ نشاهد نقشاً للملك خسرو برويز وهو يركب جواده المسمى بـ «شبديز»، حيث يتصور المرء أن هذا النقش نحته الفنان على الصخرة من على لوحة رسم.

الى ذلك، تتراءى في طاق بستان، نقوش تصور عدداً من النساء الموسيقيات، وهن يعزفن على القيثارة وآلات النفخ الموسيقية.

وفي جانب آخر من طاق بستان، هناك نقش يصور مشهد صيد خنزير وحشي، يعتبر من روائع فن النقش الحجري استعراضاً، ويشبه هذا النقش فن الرسم على الجدران.

اما في الجانب الأيمن من الايوان الصغير، يوجد نقش حجري يصور مشهد تتويج اردشير الثاني ملكا ساسانياً تاسعاَ يجلس على العرش. الملك اردشير الثاني في هذا المشهد واقف ويتوسط النقش جسمه. يمسك الملك بيده اليسرى مقبض السيف وبيده اليمنى يأخذ حلقة موشحة مدورة من أهورامزدا. هذا الملك الساساني له عينان كبيرتان وحاجبان بارزان. لحيته مجعدة وشعر رأسه الكثيف مسندل على كتفيه. كما يرتدي الملك اردشير الثاني في هذا المشهد، قرطاً وقلادة وسواراً. أما قرطه على شكل حلقة مدورة يتدلى منه شيء مدور. هذا ويتراءى عقد من اللؤلؤ الكبير يزين قلادة الملك.

اما في الجانب الأيمن من الملك هذا، نشاهد أهورامزدا واقعاً وجسمه يبرز تماماً ويهدي أهورامزدا بيده اليمنى الحلقة الموشحة المدورة الى الملك اردشير الثاني؛ في حين ان يده اليسرى على ظهره. أهورامزدا له وجه ممتد ولحية طويلة؛ فيما شعر رأسه مجعد كثّ ومسندل على كتفيه. نرى في أذن اهورامزدا قرطاً ومن رقبته تتدلى قلادة.

اما تاج رأسه مرتفع ويزيّن عقد من اللؤلؤ قاعدة التاج هذا. كما يعلو التاج جزء من شعر رأسه الكثّ فضلاً عن أن اهورامزدا يرتدي قميصاً مطوياً يمتد الى ركبتيه وكذلك سروالاً مطوياً يشبه سروال الملك. كما ان حزام أهورامزدا يضاهي حزام الملك اردشير الثاني.

في الجهة اليسرى من نقش اردشير الثاني، يطالعنا نقش «بيرك» (الميثرا)، وهو واقف على وردة الزنبق. جسمه منقوش على الحجر بشكل كامل، غير أن تفاصيل ملامح وجهه طالها التآكل، وانما الشيء الوحيد الذي يبرز منه لحيته وهي قصيرة ومجعدة. كما أن تفاصيل تاج «بيرك» أتلفت هي الأخرى ولم تتبق من التاج الا خيوط من الوشاح تتدلى من خلفه.

وتحت أقدام اهورامزدا واردشير الثاني، نشاهد الجسم المهزوم للعدو، بيد أن هذا النقش للأسف الشديد طاله تآكل كبير، كما أن تفاصيل وجه العدو أتلفت نهائياً وان ما يتراءى من وجهه، لحيته العادية وكذلك شعر رأسه العادي البسيط. أما تاج العدو فهو مزخرف بثلاثة عقود من اللؤلؤ ويعلو ناصيته. هذا وان العدو يرتدي قلادة تضم عقداً من الخزر المدور. قميصه طويل كذلك ويمتد الى كاحل القدم. العدو وكما يطالعنا في النقش يرتدي حذاءً قصيراً ويحمل سيفاً. يرى عدد كبير من علماء الآثار والمؤرخين أن نقش العدو المهزوم يعود الى الامبراطور الروماني «جوليانوس» الذي قتل على يد الملك اردشير الثاني في عام 362 الميلادي.

هذا الايوان في مجموعة طاق بستان مستطيل الشكل، حيث يبلغ عرضه 96/5 متراً وعمقه 80/3 متراً وارتفاعه 30/5 متراً. يعلو الايوان جزء على شكل الرف، يصل عمقه الى 30 سنتيمتراً، في حين يبلغ ارتفاعه 93/2 متراً، حيث نشاهد فيه نقوشاً حجرية بارزة لكل من شاهبور الثالث وأبيه شاهبور الثاني مع وجود لوحات بالخط الفهلوي واللغة الفارسية الوسطى.

أهم معلم أثري في طاق بستان، هو الايوان الكبير الذي نحت على شكل المستطيل ويبلغ عمقه 65/7 متراً وعرضه 85/7 متراً، فيما ارتفاعه يصل الى 90/11 متراً.

الى ذلك، يتراءى هناك مشهد لصيد الظبي منحوت على شكل لوحة حجرية يبلغ طولها 80/5 متراً وعرضها 90/3 متراً. نرى في هذا المشهد ثلاثة صفوف ممن يركبون الفيل وهم يحاولون إدخال الظباء الى منطقة الصيد، وذلك من خلال بوابة معبأة في الجانب الأيمن من السياج. هذه الظباء تتبع عدداً من الظباء المدربة باتجاه منطقة الصيد، وهي تحمل أوشحة تتدلى من الرقاب.

اما في الجزء العلوي من الجدار الواقع في الجهة اليسرى من الايوان الكبير، يوجد نقش حجري بخط النستعليق المنحوت، يعود الى العهد القاجاري. نشاهد في هذا النقش «محمد علي ميرزا دولتشاه» وهو جالس على السرير. وجهه سمين ولحيته طويلة وله شارب ملتو؛ أما تاجه فهو مرتفع يضاهي تاج أبيه الملك القاجاري فتحعلي شاه. يلبس محمد علي ميرزا دولتشاه كما يتراءى في هذا النقش، قميصاً مطوياً باللون الأحمر، ويرتدي حزاماً يحمل سيفاً وخنجراً.

أجب

Please enter your comment!
Please enter your name here

*