نظرة تحلیلیة الی العلاقات الإيرانیة السعودیة

أجرى موقع “خبر اونلاين الاخباري” لقاءا مع السفير الايراني الاسبق في “المغرب” والخبير في شؤون المنطقة “محمد مسجد جامعي”. وقد تناول اللقاء تداعيات سلوك السعودية على المنطقة ومستقبل العلاقات بین الأخیرة وایران.

من الواضح ان الفريق الذي تسلم مقاليد السلطة في السعودية بعد رحيل الملك عبد الله، طرح افكارا جديدة في التعاطي مع السياسة الخارجية، وقد اثر ذلك على زيادة التوترات مع اللاعبين الاخرين في المنطقة وایران منهم.
منذ 5 سنوات والمنطقة تحترق بنار الحرب بالنيابة، وتطفو هذه التوترات احیانا على السطح بشكل صراعات سنیة شیعیة. فمن المذنب، ايران ام السعودية ؟ فیما یلي ملخص الحوار :

س / تغير سلوك ونهج السعودية بعد رحيل عبد الله وبات اكثر عدوانية. في الظرف الراهن، هل يمكن القول ان اجواء العلاقات مهيئة لمزید من التوتر بين البلدين، والى اين تتجه ؟ الهدنة ام الحرب ؟

ج/ هذا السؤال يحضى بأهمية كبيرة. البلدان تحولا عمليا الى قطبين متنافسين في المنطقة. المنطقة اصبحت مليئة بالنزاعات القومية والمذهبية. ففي امريكا الجنوبية مثلا، تحدث توترات في العلاقات بین البرازيل والارجنتين والمكزيك وتشيلي، لكن التداعيات ليست بهذا الحجم. توتر العلاقات الايرانية السعودية لم يؤثر على المنطقة فحسب وانما على العالم الاسلامي برمته، وبات عالمنا الاسلامي یمر باوضاع غير مستقرة وتنافسية. في الماضي لم تكن الظروف على هذا النحو، لا العربية السعودية كانت تحضى بهذه المكانة ولا ايران كان لديها كل هذا التأثير على العالم الاسلامي. السعودية كانت تفتقد الى سياسة نشطة في المنطقة لكنها اتخذت نهجا سياسيا مغايرا بعد احدث الربيع العربي. وبالتالي انقسم العالم الاسلامي الى قطبين، الأول، الاقليات الدينية والمذهبية في المنطقة، بدءا من الفرق الشيعية الى المسيحيين والايزديين والصابئة، وايران في مقدمة هذا القطب من دون ارداتها.
علينا الاقرار ان الظروف جَرَّت ايران ووضعتها في “واجهة هذا القطب” او في رأس هرم القيادة، من دون ان تتخذ قرارا بهذا الخصوص.
القطب الاخر، اهل السنة، وقد تعددت قياداته، فعلى سبيل المثال تركيا والفرق الاخوانية التي تهوى تركيا، وكذلك مصر نظرا الى قدراتها ومكانتها الدينية، ولاشك ان السعودية تتزعم احد اضلاع هذا المثلث وبأمكانها ان تكون اكثر تأثيرا من ضلعي المثلث الاخرين “تركيا ومصر”.

س/ نفیتم اي دور لایران بظهور هذين القطبين في المنطقة، الا ان المحللين الغربيين والعرب يرون عكس ذلك، فهم یدعون ان ايران تعمدت في احداث هذه الثنائية القطبية والطائفية، وان ايران استغلت سقوط نظام صدام وطالبان علی ید الامريكان من اجل نشر التشيع في المنطقة ؟

ج / انا اعتقد ان ايران ليس لها اي دور، ويبدو لي انها رضخت للامر الواقع، واذا اردنا البحث بشكل دقيق، فیتوجب علي القول ان مسلسل من القلق والخوف واحيانا التوهمات لعب دورا في خلق هذه الاجواء لاسيما بعد سقوط صدام حسين. اذا ما اردنا ان نسلط الضوء على دوافع الأمریکیین “اي المحافظين الجدد” امثال بوش ورامسفيلد وپاول وتشيني وما يطرحوه من آراء حول الهجوم على العراق واسقاط صدام، نستنتج انهم كانوا يسعون الى تأسیس دولة ذات خصوصيات جديدة في المنطقة. الامريكان وبحسب تعبيرهم كانوا بصدد بلورة نظام منفتح وديمقراطي يكون نموذجا لباقي بلدان المنطقة، وهذه الرؤية كانت مطروحة في عهد بوش ايضا.
بعد 11 سبتمبر تم طرح عنوان “الشرق الاوسط الكبير” وضرورة اتخاذ خطوات نحو تغییر البلدان الاقليمية الى انظمة منفتحة وديمقراطية.
وقد قامت حینها، منظمة اليونسكو وبطلب من الامم المتحدة بأعداد تقرير قيَّمَت فيه الاوضاع الداخلية والاجتماعية والسياسية والمناهج الدراسية للبلدان العربية، وتطرق التقرير الى التحديات التي تواجه هذه البلدان والى ما تحتويه مناهجها الدراسية، وطبیعة التربية والتعليم فیها.
اذا ما طالعنا هذا التقرير بأمكاننا ان نستوعب الدوافع السياسة للمحافظين الجدد تجاه الشرق الاوسط.
جاء في التقرير ان النظام التعليمي والمناهج الدراسية في هذه البلدان لا تُخَرِّج طلاب ذو فكر تحليلي ومبدع.
كما يتطرق التقرير الى النظام الاجتماعي المنغلق على نفسه في هذه البلدان اضافة الى الانظمة الحاكمة التي لا تسمح بمشاركة طبيعية لافراد المجتمع، بناءا على المواهب والكفاءات.
في المحصلة، افصح هؤلاء عن الرغبة في ازالة الأنظمة السياسية القائمة في الشرق الاوسط واستبدالها بنظم اخرى، تتمتع فيها المجتمعات بالرقي والتنمية، وتتماشى مع الدوافع والمصالح الغربية في نفس الوقت.
على سبيل المثال، الولايات المتحدة الامريكية واوروبا تمارسان ضغوطا على المغرب من اجل بلورة مجتمع منفتح، وهذا ما يفعلانه مع مصر   والسعودية ايضا. على كل حال كانوا يبحثون عن اجابة لسؤال شغل بالهم کثیرا، وهو اسباب اعداد وتأهيل اشخاص في هذه المجتمعات، تکون قادرة علی تنفیذ تفجيرات 11 سبتمبر.
اعلنوا بصراحة عن نيتهم في اِحداث مجتمعات جديدة بعد سقوط نظام صدام حسين، والعرب كانوا على علم بذلك، ورغم ان البلدان العربية فرحت لسقوط نظام صدام الذي ارعبهم، لکنهم خشوا من التغيير الأمریکي المنشود. السعودیون کانوا یخشون صدام حتى عندما كانوا یمدوه بالمساعدات. الدول العربية تصورت ان دورها سيأتي بعد صدام بالترتیب. سوريا والاردن والسعودية كانت من اكبر الدول الداعمة للزرقاوي والارهابيين في العراق بعد عام 2003، وذلك لوجود الاكثرية الشيعية. رغم ذلك، المرجعية العراقیة وعقلاء القوم اصروا على تشكيل حكومة ودستور وانتخابات برلمانية ووزارات ورئاسة جمهورية.
السعودية وقفت ضد هذا التوجه، بعد ان اصابها توهم بأن الاغلبية الشيعية في العراق ستصل الى الحكم وستقف الى جانب ايران.
بعد سقوط صدام طرح ملك الاردن “عبد الله” موضوع الهلال الشيعي وهكذا فعل مبارك ایضا. كان الأخیر يقول ان ولاء الشيعة في العراق هو لايران قبل ان یکون لبلدهم.
هذه الاطروحات، كانت تُرَدَّد في البلدان العربية من قِبل الساسة ووسائل الاعلام معا. هذه الظروف خلقت مشاکل عديدة، وکان من الطبيعي ان یتم توجه کل انواع التهم لایران. لكن لا يمكن الانكار، ان ايران هي اول البلدان التي اعترفت بالحكومة العراقية الجديدة ودستورها وانتخاباتها، وهذه المعايير كانت نفس المعايير الديمقراطية التي ارادتها الولایات المتحدة ودعمتها کایران. من المفارقات ان تتوافق وجهات النظر بين “ايران وامريكا ” بهذا الخصوص.
في هذا المناخ تبلورت فكرة ان ايران بصدد بسط نفوذها الديني والسياسي، لذا نستطيع القول ان ايران، اعترفت بالامر الواقع من دون رغبتها.

س/ هل ما يحدث يصب في صالح ايران ام العكس ؟
بعض المجاميع غير الحكومية في ايران اقدمت على نشر تعاليم التشيع وقد تشيع البعض، ولكن هذا ليس جوهر الموضوع لكي تتحول المنطقة الى قطبين. بعد سقوط صدام والذاكرة التاريخية السيئة التي كان يحملها الكثير من اهل السنة تجاه الشيعية “اتهامات وهمية لا اساس لها من الصحة” بلورت هذا المفهوم لديهم، ان ايران بصدد احداث قطبین في المنطقة، مع ان ايران ومنذ انتصار الثورة الاسلامية كانت دائما تؤكد على الاخوة والوحدة في العالم الاسلامي.

أجب

Please enter your comment!
Please enter your name here

*